19/05/2024 13:14
موريتانيا
التعليم
الصحة
تقنيات المعلومات
البيئة
التنمية و الاقتصاد
الحكم الرشيد
الشباب و الرياضة
المرأة و التنمية
الزراعة
السياحة
الأمن الاجتماعي
الثقافة
 
             
 
         
 
  الثقافة  
     
الدين
المسرح
الشعر
الفن
السينما
كتاب و مؤلفات

 

دراسات : كتابة التاريخ الموريتاني  

ضبابية المصطلح وغموض سياقه، ترجع إلى طريقة تدريس التاريخ في مؤسساتنا التربوية، وأسلوب تلقين المادة التاريخية في الجامعات،وكذا الإنكفاء على صعيد التنمية المجتمعية.


التاريخ علم يدرس تطور التجربة الإنسانية ويرمي إلى وضع حوادثها في سياقها المنطقي والزمني، بغية فهم منطق السيرورة التي تطال السياسية والحرب والمؤسسة ونحلة العيش والعقلية وطبيعة الوسط من أرض ومناخ.
الحدث التاريخي هو الكائنة التي تحدث في زمان ومكان معينين وتؤثر على أكبر قدر من الناس وتهم عصرهم.
وميزة الحدث التاريخي أنه فريد لايتكرر ولا تمكن استعادته بحذافيره، ولا يمكن التنبؤ به أو إخضاعه للتشيئ على النحو الذي يفحص فيه المُجْهِر واحدة الخلايا أو إحدى قطع الصخور!
كان التاريخ عند الأوائل من يونان وروم وعرب سردا "لحوادث الماضي" وتركيزا على مايتصل منها بالخاصة من ملوك وأمراء وقادة بدل العامة بمختلف أصنافها.
ولذلك لم يؤرخ الأقدمون إلا للحوادث المدوية كالزلازل والحروب والجوائح، أو المشهورة كوفيات الملوك والأعيان وغيرها، أي تواريخ الوقائع السياسية والإقتصادية والعسكرية.
ويعود ذلك إلى كونهم لا يرون من "الحدث" إلا جزءه الظاهر، بينما تختفي عنهم أجزاؤه العميقة التي بتنا نعرفها اليوم، ولأنهم ، كذلك، يطابقون بين التاريخ والماضي، أي بين الحدث وزمانه الذي يصبح بالنسبة لمن يرصده ماضيا انقضى.
تغير كل ذلك، وبتنا نعرف اليوم، مع مدرسة حوليات الفرنسية "الأنّال Ecols des Annales، ومدرسة التاريخ الجديد الإنكليزية، أن الحدث التاريخي حدث معقد يتكون نتيجة لعوامل متعددة، أي لحوادث أخرى مختلفة المستويات، منها الحوادث السريعة والوقائعية التي تتمظهر في الحروب وخلافات الساسة وصعود الأسعار ووفيات الأعيان وغيرها، وهي النتف المتاحة من "الحدث التاريخي" للعامة وللمتعلمين أو المهتمين بـ "التاريخ".
أما القوات العميقة لذلك الحدث فتصنعها "حوادث" أكثر تعقيدا، هي البنيات الفكرية والإقتصادية والمجتمعية، التي تتحرك بصمت وعمق، وتتطورعبر مُدَدٍ طويلة تصل القرن أو القرون، وهو ما يسمّيه مؤرّخو "الأنّال": المدة الطويلة longue duree .
وهناك حوادث أعظم خطرا في تحقيق مصائر البشر، هي الحوادث الراكدة التي تتطور عبر مسار تاريخي موغل في الطول يصل أحيانا آلاف السنين أو ملايينها ومثالها التربة والمناخ ..
ويبقى على المؤرخ أن يجمع مادته من "آثار" و"شواهد" تلك "الحوادث المختلفة المتباينة الشديدة التنوع والثراء والتعقيد.
لم تعد الوثيقة التاريخية هي النص المكتوب الذي يوصل إلينا شواهد عن "الماضي"، بل صارت مفهوما أكثر تعقيدا وخصوبة، يشمل كل شاهد أو أثر أو رمز يحمل معنى عن حياة البشر وتحولاتها، ولذلك يهتم المؤرخون اليوم بالوثائق المختلفة كالنوازل الفقهية والصكوك المالية والمراسلات الأدبية فضلا عن وثائق الحكم والحرب، ويجمعون أجزاء ما أمكن من شواهد الحضارة والثقافة كالنقود والألبسة والأسلحة والأثاث والمعمار، ويسجلون أيضا روايات شهود العيان شعرا ونثرا وسردا، ولا يهملون نتائج البحث في المناخ والتربة والمياه عظيمة الأثر في حياة الإنسان.
ويبقى استخلاص "المادة التاريخية" من ذلك الركام المعقد المختلف شكلا ومضمونا، وتلك مهمة المؤرخ المحترف الذي يمتلك ثقافة موسوعية حول الحقبة التي يدرسها ويحوز معارف واسعة من الألسنية والأدب إلى الجغرافية وعلم السكان والإقتصاد السياسي وعلم الإحصاء والحضارة وغيرها من العلوم التي يسميها المؤرخون "العلوم المساعدة" لأنها تساعد المؤرخ على تحليل مادته التي تشمل سلاسل الأسعار ودراجات الحرارة ونصوص الفكر والأدب وحتى المذكرات الحميمة.
أما استخدام تلك المادة في بناء سلسلة الأحداث، فهي عملية معقدة ودقيقة تتطلب جودة الأسلوب ورهافة الحس ورصانة العرض والبعد عن اللغة الصعبة والمعجمية، كما توجب المهارة في حبك الحوادث ورص بعضها أزاء بعض، والقدرة على بناء "الحدث التاريخي" بوصفه نتاج عوامل سياسية وثقافية واقتصادية مختلفة حسب طبيعة الحقبة ومنطقها، إلى غير ذلك من تقنيات ما يسمى في صناعة التاريخ "الكتابة التاريخية" أي الصياغة النهائية للأحداث وعرضها بطريقة سهلة دقيقة تجمع بين العميق منها والسطحي و السريع منها والبطيئ. ويقابل هذه العملية ، في عرف المؤرخين، ما يعرف بـ "المعرفة التاريخية" وهي ثقافة المؤرخ وتاريخ تطور الفكر التاريخي ومساهمة المعارف الأخرى فيه كالفلسفة والحديث والاجتماع، لكن على المؤرخ الحذر من الخلط بين "المعرفة التاريخية" و "الكتابة التاريخية" إلا إذا كان بصدد تأليف أطروحة جامعية تقتضي ذلك.
كما ينبغي الحذر من الخلط بين علم التاريخ، المُعَرّف آنفا، وفلسفة التاريخ التي صارت في عداد الأموات وبقيت قيمتها فكرية بالأساس.
ولذلك يجب تجنب التصور الفلسفي في كتابة التاريخ، لأن حوادث الحياة البشرية لا تخضع لقوانين ثابتة أو منطق حتمي، ومن هنا لايمكن التنبؤ بمسارها. بينما تهتم فلسفة التاريخ باكتشاف القوانين التي تحكم مسار التاريخ والغاية التي يتجه نحوها!
كما يجب على المؤرخ تجنب الأحكام المعيارية، لأن حكم القيمة يخرج بالمؤرخ عن الحيّاد ويجعله طرفا في الحوادث التي يؤرخ لها، كأن يحكم على طائفة من المسلمين بالكفر أو الفسق دون يكون ذلك بطريقة مباشرة، أو يصدر ألقابا في حق بعض الأعيان كالعلامة أو الأفضل و الأعظم وماشابه، لكنه يستطيع تقديم آراء الفرق في بعضها على نحو متوازن، وبمكنته إيراد تلك الأوصاف بردها إلى صيغ التّحْليّة والتلْقيب التي ترد في كتب التراجم والطبقات، وقس على ذلك!
لم يعد التاريخ سردا للحوادث عن الخاصة بل صار تاريخا للإنسان، مهما اختلفت ملته أو عرقه أو نِحْلته من العيش، ومهما كان موقعه من مدارك الإجتماع.
أطلنا بتلك المحددات والقواعد تبصيرا للمهتمين بحقل التاريخ، وتنبيها للموغلين في حقله ممن لايعرفون عنه شيئا، وصدا للمتطفلين على هذا العلم الصعب الشيق.
ليس سرا أن التاريخ الموريتاني لم يكتب لحد الساعة، ويعود ذلك إلى أسباب عديدة، منها ماهو متصل بوضعية تطور المعارف الإنسانية في بلداننا النامية، ومنها ما يرجع لتكوين الوعي التاريخي لدى سكان هذه البلاد.
اهتم سكان المدن، وهم أكثر وعيا بالتاريخ من غيرهم، بتسجيل الحوادث المهمة في دفاتر خصصوها لهذا الغرض وهي ما يعرف بـ "الحوليّات" التي دونوا فيها تواريخ الحروب والممالك والقبائل ووفيات الأعيان والقادة وسني العوز والرخاء.
وترك لنا علماء البلاد قديما كتبا مستقلة في التاريخ من أهمها: "فاتحو إفريقيا وملكوها وقبائلها"، "لب الألباب في حقائق الأنساب" من تأليف الشيخ سيد المختار الكنتي ت1226هـ ، "الْحُسْوَةُ الْبَيْسَانِيّةُ في علم الأنساب الحسّانية" و "أنساب صنهاجة" وهما مصنفان للمؤرخ محمد صالح بن عبد الوهّاب ت1271هـ ، وحديثا عدة أعمال ذات طابع موسوعي إخباري أنجزها رجال انتقلوا إلى رحمة الله من عهد قريب: "موسوعة حياة موريتانيا" للمختار بن حامد، "موسوعة الأنساب والأخبار" لسيدات بن باب بن الشيخ المصطفى، و "كتاب الأخبار" لهارون بن باب. ودراسات حديثة لمؤرخين محترفين كمحمد بن داداه، وعبد الله بن داداه، والباحث القدير محمد بن مولود بن دادّاه "الشّنّافي" الذي أنجز مراجعات قيمة للأرض والوسط والعقلية والمؤسسات، قيد التهيئة للنشر.
وأنجز جيل من المؤرخين الجامعيين أطروحات قيمة في تاريخ البلاد، لكن هذه الأطروحات وغيرها ليست مقروءة على نطاق واسع، لكنها علمية وموثوق بها، ولذلك لاغنى لدارس التاريخ والباحث فيه من الرجوع إليها دواما.
ولاشك أن النقص بقي حاصلا، لأن تاريخ البلاد لم يكتب لحد الساعة بطريقة "وقائعية وبنيوية" سهلة ودقيقة دون تحليل أو نقاش معقد أو حتى تردد أو تعليق.

تحقيب التاريخ الموريتاني:

التّحْقِيبْ عملية صعبة يُراد بها تقسيم التاريخ العالمي إلى حِقَب تبدأ بأحداث حاسمة وتنتهي بأخرى. وتكون أصعب في التاريخ الإقليمي والتواريخ المحلية.
يُقسّم التاريخ العالمي إلى حقب كبرى هي: التاريخ القديم ويبدأ من ظهور الكتابة وينتهي بسقوط روما، ويليه التاريخ الوسيط وينتهي بفتح القسطنطينية أو كشف أمركا، وتليه مرحلة التاريخ الحديث ونهايته محددة بالثورة الفرنسية، ثم يأتي التاريخ المعاصر ونهايته مع الحرب العالمية الثانية لتبدأ مرحلة مايسمى بنوع من التجوّز "التاريخ الراهن" مع اختلاف بين المؤرخين في تلك التواريخ وجدلهم حول تلك البدايات والنهايات.
هذا التّحْقِيبْ مدْرسي يُراد به تسهيل دراسة التاريخ، لأن نهر الأحداث، أي التجربة الإنسانية، لايمكن تقطيعه أو تغيير مجراه، فضلا عن أنه تحقيب وضعه مؤرخو أوروبا فالغرب المعاصر.
كما أن ذلك التّحْقِيبْ "العالمي" ليس مُلزما للحضارات كلها، لأن لها تحقيبها للتاريخ تبعا لتجربتها الخاصة ونظرتها للآخر. ولذلك لايمكن فرض التّحْقِيبْ "العالمي" على الحقبة الوسيطة الممتدة من ظهور الإسلام إلى سقوط بغداد، لأن الحضارة العربية ـ الإسلامية عرفت ازدهارا منقطع النظير في تلك الحقبة في وقت كانت البلاد الأوروبية تعيش في ظل ماتُسمّيه "العصر الوسيط المظلم".
ينضاف إلى ذلك أن تحديد بدايات ونهايات العصور فيه من الإعتباط ما لايخفى، وما يطرحه الإختلاف البيّن في الإهتمام بالأحداث الفاصلة، لأن سقوط روما، رغم أهميته البالغة على الصعيد الأوروبي، قد لايعني شيئا كبيرا بالنسبة للمسلمين.
رغم ذلك قد لايختلف منطق التاريخين الإسلامي والأوروبي بشأن بعض الأحداث الكبرى التي أثّرت على مسار "التاريخ العالمي"، كتحديد بداية التاريخ الحديث بسقوط الأندلس أو باكتشاف أمريكا، لأن القرن الخامس عشر الميلادي كان بداية الإنكفاء الحضاري للمسلمين وانطلاق النهضة الأوروبيّة، وقس على ذلك.
أما تحقيب "التاريخ الوطني" أي تاريخ بلاد بعينها أو إقليم محدد، كموريتانيا، أو غيرها من الأقطار، فهو أمر صعب لأنه يقتضي تحقيق التوازن بين الأحداث الكونية وتلك المحلية، وتحقيق الإنسجام بين التحولات التي جرت في "الأطراف" وتلك التي تمت في "المركز".
ويمكن بشيئ من التجوّز، تحقيب التاريخ الموريتاني بتقسيمه إلى العصور التالية:
1. تاريخ قديم: من الألف الثانية للميلاد حتى القرن 7م، ويبدأ بظهور العربات التي جاء بها شعب الكرامانت، وشكلت فتحا في تاريخ الصحراء، وبداية للتواصل الفعلي بعالم إفريقيا الشمالية الروماني، ولذلك ظل سكان البلاد إلى اليوم يسمّون ذلك الشعب باسم "أغْرمّان" أي: الرومان الصغار، تعبيرا عن علاقة الكرامانت بالرومان تجاريا وسياسيا. وينتهي بالفتح الإسلامي للصحراء في القرن السابع وتاليه.
2. تاريخ وسيط: ويبدأ من الفتح الإسلامي في القرن 1هـ/7م وينتهي بسقوط تنبكتو سنة 1591م، ونُسمّيه "العصر الصنْهاجي" وينقسم إلى: "العصر الصنهاجي الأول" ويبدأ من الفتح الإسلامي إلى قيام دولة المرابطين في القرن الخامس، وفيه عرفت قبائل الملثمين قيام دولتها وعاصمتها "أودغست" (في الحوض الغربي حاليا)، و"العصر الصنهاجي الثاني" ويبدأ بقيام الدولة المرابطية وينتهي بسقوط تنبكتو سنة 1591 الذي كان أثره قويا على أحوال الصحراء، بفعل انهيار المؤسسات الدينية والثقافية والإقتصادية شمال نهر النيجر، وهجرة العلماء غربا وتشتت مسالك القوافل غربا وشرقا، وصعود الإمارات الوثنية في الجنوب تساوقا مع الحضور الأوروبي على السواحل.كما هزّ سقوط تنبكتو، أو بالأحرى انهيار دولة سنغاي، رتابة الوحدات السياسية والمجتمعية في الصحراء والسودان.
3. تاريخ حديث: ويمكن تسميته "العصر الحسّاني" لأنه عرف السيطرة النهائية لبني حسّان على شبه البلاد الحالية، ويبدأ بسقوط تنبكتو 1591 وينتهي بحصار "الحنيْكاتْ" الشهير سنة 1778م بين عشائر إدوعيش الصنهاجية وقبائل بني حسّان العربية، وكانت نتائجه المباشرة قيام إمارة تكانت، ونتائجه البعيدة نهاية الصراع الطويل بين الإمارات اللمتونية والقبائل العربية والذي بدأ مع القرن الثامن (14م)، وأفضى إلى تشكل المجتمع على النحو الراهن.
4. تاريخ معاصر: ويبدأ بنهاية حصار "الحنيكات" سنة 1778م وينتهي بالسيطرة الإستعمارية سنة 1903م وما تلاها.
5. تاريخ راهن: هذا الإصطلاح جديد ويعني الفترة التي أعقبت الحرب العالمية أو نهاية الحرب الباردة. ويمكن أن تكون بدايته الفعلية في موريتانيا بقيام الدولة الوطنية سنة 1960م.
والحق أن تحقيب "التاريخ الوطني" لأي دولة، عملية صعبة وغير نهائية، لأنه يتأسس على خطاب الهوية وهو نفسه محل جدل ويخضع لسيرورة متواصلة ولمراجعة ونقاش دائمين.
وكان بالإمكان تحقيب تاريخ البلاد على نحو أكثر دقة برصد التحولات الكبرى التي تمت في نحْلة العيش ومحيطها الطبيعي، حيث يمكن تتبع دورات الإنتجاع على مدى قرون ورصد التحول البنيوي الذي طرأ على مسارها منذ الفترة الوسيطة إلى الحديثة فالمعاصرة، وكذا حركة الهجرة والإنتقال البشري من إقليم إلى آخر.
والحق أن هناك عوامل مختلفة متساوقة ساهمت في صياغة المجال اللغوي والحضاري للمجموعة الموريتانية القديمة صياغة جديدة أحدثت قطيعة صارمة مع العصر الصنهاجي ووفرت عناصر إدماج قوية طبعت الوعي التاريخي الصحراوي بطابعها المميّز.
ولذلك فقد أصبحت هناك وبشكل قوي مظاهر تبني التراث العربي الذي قامت عليه الحياة الثقافية في موريتانيا وأصبحت أنساب العرب وأيامهم وعلوم لغتهم ودواوين شعرائهم دعائم لثقافة هؤلاء البدو تصاحب القرآن والحديث والفقه على الدوام.
وكان وقع تلك المثاقفة قويا على شجرات الأنساب الصنهاجية حيث تعربت بسرعة وانتقل الصنهاجيون من تقليد النسب الأموسي " الانتساب للأم" إلى تقليد النسب الأبيسي "الانتساب للأب"!
لكن تدوين الأنساب لم يتم إلا على نحو متأخر مع تطور النخبة المثقفة في أوساط الزوايا إبان تطور العلاقة مع الأمصار العربية من خلال قوافل الحج والرحلات العلمية ولاسيما بعد أن حُرِم حجاج بلاد شنقيط من حصتهم أوقاف الحرمين، فدفعهم ذلك إلى الدفاع عن هويتهم وأنسابهم.
ومن هنا أصبحت أنساب أغلب القبائل الصنهاجية أنسابا عربية ترتفع إلى اليمانيين أو إلى المضريين وأعادت المجموعات العربية من بني حسّان والزوايا تدوين أنسابها في هذه المرحلة..
وهو ما جعل مسألة الأوقاف تلك مكْمن الصياغة الفكرية للهوية الشنقيطية. ولا أدل على ذلك من أنّ مُشكل الأوقاف الشنقيطية الذي كان البوتقةَ التي صهرت هموم القوم الـثقافية والاجتماعية، والحافزَ الأول الذي دفعهم إلى تدبيج كتب الأنساب سعْيًا إلى الإندماج في نفس الأسرة الثقافية العربية، وتأكيدا لحقوقهم في أوقاف الحرمين.

وكُنَّا أول من نبَّهَ على تلك الحقيقة وجَزم بأنَّ الأنساب الشنقيطية أُلِّفَتْ ورُتِّبَتْ في تلك المرحلة وبسببٍ منها وليس نتيجة أوضاع إقتصادية واجتماعية كما يحلو للبعض من تلاميذ المدرسة الاستعمارية المُصابين بالحساسية أزاء العروبة والجهلة بخصائص الاجتماع في بلاد الإسلام.

وذلك لأنّ الشواهد التاريخية والاستدلالات المنطقية تدحض تلك الطروحات بل تنْسفها من أساسها.

فقد اتصل الشناقطة بمرتضى الزبيدي نهاية القرن الثاني عشر الهجري (18م) وطلبوا تزكيته لأنسابهم ، في سيّاقٍ متّصلٍ بمشكل الأوقاف ومتعلقاته.

وقريبا من هذا التاريخ أُلِّفَتْ جُلُّ المُصنَّفات والنُّبذ والتقاييد من قبل الشناقطة وفي ربوعهم.
فالشيخ سيد المختار الكنتي ت 1226هـ ألَّف كتابه المشهور لبُّ الألباب في حقائق الأنساب. ومعظم مؤلفاته صنفها في 22 سنة الأخيرة من عمره. ومرَّ بنا ذِكْرُ صلته بالزبيدي وما بينهما من مهاداه ومراسلات.
وسيد عبد الله بن الحاج ابراهيم العلوي ت 1233هـ كتب نبذته المعروفة صحيحة النقل في سنة 1205هـ أو 1208هـ تعريفا بنسب أهم قبيلتين عمّرتا مدينة شنقيط ، وكان استدل فيها بما سبق أن ذكره الزبيديُّ لبعض أهل مدينة شنقيط من أن أهلها بين بكري وحسني وكان استقى نفس الأخبار من حُجّاجٍ من نفس المدينة مرُّو به سابقا.
وصنّف المؤرخ الشهير محمد صالح بن عبد الوهاب الناصْري ت1271هـ معْلمته الجامعة: الْحُسْوَةُ الْبَيْسَانِيّةُ في علْم الأنساب الحسَّانِيَّةِ معرِّفًا بتواريخ وأيام و شجرات قبائل بني حسان العربية لاسيما تلك المتوطنة في بلاد الحوض، بطلبٍ من إبن شيخه عبد الله إبن الحاج ابراهيم العلوي. ولعل محمد صالح دَفعتْه نفس الظرفية إلى تدْبيج مصنفه القيم الضائع تاريخ وأنساب صنهاجة والعرب من غير بني حَسَّان ، والذي كان بطلبٍ من صديقه الطالب بن جدّو رئيس قبيلة الأقلال في بلاد الحوض.
وفي نفس العهد صنّف المؤرخون البارزون في مدينة تيشيت من المَسْلَمِيِّينَ والشرفاء جُلَّ كتبهم الشهيرة في التواريخ والأنساب مثل : إنارة المُبْهَمِ في أنساب شرفاء تيشيت وطلبـتها بني محمد مسلم و ساطع الإنارة في أنساب شرفاء تيشيـت و طلبتها بأوضح عبارة. وغيرهما من المصنفات.
وقريبا ذلك صنّف عالم ولاته محمد بن أبي بكر الصديق البُرْتُلِي الولاتي ت1219هـ موسوعة التراجم الشنقيطية البديعة: فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور.
ويمكن أن نُدْرِج في نفس السياق حُمَّى التصنيف في أيام العرب والسيرة النبوية الشريفة ، حيث عرف التأليف في تلك الأغراض طفْرة عجيبة فبرز مُصَنِّفون مُتمكّنون من أمثال : غالي بن المختار فال البُصَادِي ت1241هـ و حمّاد المجْلسي وغيرهما.
ويذهب بعض الباحثين إلى أنّ التدرج الأنسابي من الأنصارية إلى القرشية العامة إلى الشريفية في تقاليد البيضان المروية و المكتوبة، كان بالتساوق مع تطور العصبيات السياسية في المغرب الإسلامي و تردد أصداء ذلك الصراع في الصحراء.
وبغض النظر عن كل تلك الأسباب، فإن تلك المدونات شكلت أنماطا متباينة من الكتابة التاريخية التقليدية التي تعكس مستوى من الوعي بالتاريخ والتصور للحياة.


الكتابة التاريخية التقليدية:

مرّ بنا آنفا، تحديد مفهوم "الكتابة التاريخية"، وخلُصْنا إلى أنها تعني، في حدودها الدنيا، تنسيق مادة الأخبار والأحداث على صعيد واحد، لتشكل حبكة تحكي تاريخ حقبة من حياة البشر.
وإذا ضربنا صفحا عن الكتابة التاريخية المعاصرة، لتعقيدها، فنحن سنجد الكتابة التاريخية الموريتانية، تهتم بثلاثة أنماط:

1ـ الحوليّات: وهي نصوص غنية بالأحداث والأخبارعن الحروب والأوبئة والمجاعات وسني الخصب ووفيات العلماء والقواد.

2 ـ كتب الأنساب: وأقدمها: ديوان الأنساب تأليف أحمد بن الحاج عبد الله الرّقادي الكنتي ت1130هـ/1717م، وهو أقدم مؤرخ موريتاني معروف.

ويليه زمنيا، كتاب الأنساب للمصطفي (والد) بن خالنا التاكاطي ت 1212هـ والقطعة المتداولة منه اليوم فيها تحريف بيّن، بل ويُظن أن النسخة الأكمل جرى سحبها من التداول في ظروف غامضة. والغريب أن المؤرخ الثقة المختار بن حامد يحيل إلى مواضع من كتاب الأنساب ليست من النسخة التي بين أيدينا، فلعله اطلع على تلك المواضع في مظان متفرقة أو كانت لديه نسخة كاملة من الأنساب ينبغي البحث عنها.

الْحُسْوَةُ الْبَيْسَانِيّةُ في علم الأنْساب الْحَسَّانِيَّة للمؤرخ محمد صالح بن عبد الوهاب الناصري ت1271هـ وهو مُصَنّف في أنساب وحروب قبائل بني حسّان العربية التي دخلت البلاد منذ القرن الثامن الهجري وبسطت سلطانها على أغلب المناطق.
ومنها كذلك كتب الأنساب المؤلفة في تيشيت، والتي تحكي قدوم سكانها وأصولهم المختلفة وماجَرَيَاتِهِمْ. مثل: إنارة المُبْهَم في أوّلِيَّةِ بناء تيشيت وطلبتها بني محمد مسلم، و"ساطع الإنارة في أخبار شرفاء تيشيت وطلبتها بأوضح عبارة".

2 ـ كتب التراجم: وهي موسوعات تهتم بتراجم العلماء والأعيان وتزخر بالإشارات التاريخية الثمينة منها فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور لمؤلفه محمد بن أبي بكر الصديق البرتلي الولاتي ت 1219هـ /1804م وهو معجم ضخم لتراجم علماء البلاد الموريتانية و أغلبهم من شرقي البلاد لاسيما من مدينة ولاتَة [= وَلاتَا] التي كانت قلب الثقافة العربية ـ الإسلامية المدينية في غرب الصحراء وبلاد السودان عبر القرون الماضية. وورود كلمة التكرور في عنوانه اصطلاحُُ أطلقه المشارقة على مسلمي غرب الصحراء و غرب افريقيا من مختلف الشعوب دون تمييز لغوي أو عرقي، قبل أن يستقل شعب التكارير المسلم بهذا اللفظ في عهود قريبة تعود لأواخر القرن التاسع عشر الميلادي. وقد أكمله عالم ولاتي آخر هو الطالب أبوبكر المحجوبي ت1917 م بموسوعته الحافلة: مِنَحُ الرب الغفور في معرفة ما أهمله صاحب فتح الشكور. وبعضها مخصوص بصنف من المعارف العربية ـ الإسلامية كالنوازل والفتاوي، كما هو شأن موسوعة العمل المشكور في جمع نوازل التكرور لمؤلفه المصطفى بن مولود البرتلي الولاتي وقد أوعب فيه نوازل وفتاوي وأحكام البلاد الصحراوية المعروفة ببلاد البيضان.
ونعتقد أن إحساس علماء ولاتَة [= وَلاتَا] بتلك الأزمات هو الذي دفعهم إلى تأليف مصنفات كبرى تجمع تاريخ المدينة وتراجم علمائها ونوازلهم وفهارس كتبهم.. ولذلك كانت الموسوعات الولاتية دليلا على بلوغ النهضة الفكرية أوجها وتعبيرا كذلك عن التوجس من المستقبل. وهو أمر منطقي لأن الأعمال الموسوعية تأتي في تاريخ الثقافة رصدا لحصيلة ضخمة من المعارف وكذلك تعبيرا عن إحساس بخطر اندثار التراث الفكري والحضاري كما هو شأن موسوعة لسان العرب لابن منظور الذي خشي انقراض اللغة العربية في عهده، والموسوعة الفرنسية في عهد ديدرو التي كانت من أركان النهضة.
ولا يزال اختصاص علماء مدينة ولاتا، في شرقي البلاد، بالموسوعات، ظاهرة حرية بأكثر من دراسة.
3- كتب المناقب:
تهتم كتب المناقب بعرض كرامات وخوارق الأولياء ومظاهر زهدهم وورعهم وتكشف عن عالمهم الموازي لعلالم السلطة الدنيوية.
الكتابة المننْقبية هي خطاب يستدعي الخوارق والمهمشين ليدمجهم في حقل الفعل الإنساني، وهنا يصطدم بالخطاب التاريخي الذي يكرّس حقل الفعل للمتغلّب والمهيمن، لكن الحقلين يتداخلان حين يهتم المؤرخ بالمتلجلج والدفين، أي بالتاريخ الصامت.
وأقدمها: "شيم الزوايا" و "أمْر الولي" من تأليف الشيخ محمد اليدالي الديماني ت 1166 هـ ، وموسوعة الطرائف والتلائد في كرامات الشيخين الوالدة والوالد تأليف الشيخ سيد محمد الخليفة الكنتي ت1242هـ .
وهي أعمال تهدف في المقام الأول إلى تمجيد من تتحدث عنهم بتوكيد كراماتهم وورعهم ليكونوا قدوة ومثالا.
لكنها، في كل الأحوال، ليست كتابة تاريخية حتى بالمعنى التقليدي المتأسس على "الخبر" في الإصطلاح الإسلامي.
والحق أن الخطاب المنْقبي يخترق أبطاله بقوة، ويكيفهم حسب خلفية الكاتب ووفق طبيعة المتلقي،ورغم ذلك فإن الهاجيو غرافيا معدن خصب للإشارات التاريخية المهمة.
فكتابا أمر الولي والشيّم حافلان بالإشارات التاريخية المهمة، لكن سيطرة المنْقبية جعلت بعض المعطيات عصيا على التاريخية.
ومن أطرف الصياغات المنقبية في "الشيم" حديث اليدالي عن الوثيقة التي فيها أسماء الأولياء، حيث اعتبر ورود اسم ناصر الدين فيها إشارة إلى زعيم "شرّ بَبَّ".
وقد تبيّن من فحص تلك المنْقبة أنها مجرد صياغة لإحدى الإجازات الحاوية لأسانيد القاضي العلوي عبد الله بن محمد والتي ترد فيها أسماء لعلماء ولاتيين وتنبكتيين وووادانيين وشنقيطيين بالطبع، واسم ناصر الدين يعني ناصر الدين اللقاني الوارد في السلسلة من الطبقة المصرية التي تلقى عنها التنبكتيون.
وقد أعاد اليَدالي تأويل السلسلة الإسنادية بغية استخدامها من جديد تبعا لما استجد من هموم ومشاغل.
ومن وجه آخر كان المنزع الأخلاقي حاضرا بقوة، لأن عرض الكرامات يراد منه في المقام الأول تقديم النموذج.
لقد كان هاجس محمد اليدالي هو تذكير محيطه القبلي الضيق [تاشَمْشَ] بما كان عليه سلفهم من زهد وتدين وخلق ينبغي الإحتذاء به وتنكّب وجهة الحال التي مرد عليها شبابهم في عهده.
وتعكس كتاباته الأخرى ذلك بجلاء، والتي اشتكى فيها من نفس الوضعية في محيطه الجغرافي وعبّر عن ذلك بمرارة في رسالته المعروفة بالنصيحة حيث صدّرها بقوله " إلى جماعتنا جماعة تشمْش وخصوصا الفاضليّين منهم ، إيّاكم وما يؤدّي إلى التباغض بينكم من أمور الدنيا... وكفوا النساء عن التبرج والتمرد على أزواجهن، والخروج بغير إذن، ودخول الأجانب عليهن ، وتارك زوجته كذلك هو المسمى في الحديث بالديّوث، وكفّوهم عن الجولان في النساء وعن ما هم عليه من الطرق القبيحة التي ظنّوا أنها فرصة اقترحوها ، وأنهم يُغبطون عليما، وهي لا تليق بعامي فكيف يزاوي، ومن قلة مبالاتهم بالأحكام وعدم أعتنائهم بالتعلم".
ينضاف إلى ذلك علة التصنيف حيث يكون "أمر الولي" عرضا لأحداث من خلال شخصية "الولي" الذي هو ناظمها وليس منطق الزمان والمكان، بل وأيضا يلعب دور محرك التاريخ وغايته في الآن نفسه.
وفي كتابه "الْحُسْوَةُ الْبَيْسَانِيّةُ في علم الأنْساب الحسّانيّة" اتبع محمد صالح منهج الجمهرة، في الأبواب والفصول، وهو نفسه كان نسخ هذا المُصنّف هدية لأحد أعيان الزاوية الكنتية.
ومع ذلك عرض أنساب بني حسّان وأيّامهم على نحو مُمَنْهج، حسب معرفته بهم، وعالج بحنكة حقائق الهجرات، ووفّى السياق أحيانا حقه، وكان الخطاب المناقبي قليلا إن لن يكن معدوما.
وتأتي مصادره في مستويات شفاهية موثوقة ومصنفات التاريخ العربي المشهورة فضلا عن مطالعاته الواسعة، وخبرته ببني عمومته من عرب حسّان لاسيما في النطاق الشرقي. ونعتقد أن محمد صالح نقل الوثيقة التي انطلق منها عن فروع بني حسّان من كتاب >يوان الأنْساب" للرقّادي الكنتي ت1130هـ/1717م.
وفي كتاب الْحُسْوَةُ الْبَيْسَانِيّةُ ترِدُ عشرات الحداث المؤرخة والمنظومة في سلك تاريخي متوال ومنسجم يعطي فكرة مجملة عن كتابة تاريخية أخْبارية مقبولة ودقيقية.
فهو يتحدث عن نسب القبيلة الحسّانية وعن فروعها الكبرى ومجالها الترابي، ثم يعرض لأيّامها، وقد يركز، وهو الأهم، على نحْلة عيشها الغالبة إن كانت بدّلن نمط عيشها القديم ودخلت ديار قوم آخرين.
ثم يتتبع أوّليّة ملكها، لاسيما إنْ كانت إمارة كأولاد امْبارك مثلا، ويهتم بتحديد أسر الوعامة والسلطة والشجاعة، ويقول "بيتهم في بني فلان"، من دون مجاملة أو تحريف، حتى بشأن قبيلته هو أولاد الناصر.
ويمكن القول إن الكتابة التاريخية الموريتانية لم تقدم نصوصا تحوز حدا أدنى من التاريخية إلا في ثلاثة نصوص هي:
1. الْحُسْوة الْبَيْسَانِيّة في علم الأنْسَاب الْحَسّانيّة لمحمد صالح بن عبد الوهّاب الناصْري ت1271هـ وهو أهم عمل مؤلف قبل الإستعمار حول التاريخ السياسي الموريتاني.
2. فتح الشكور في معرفة أعْيان علماء التّكْرورْ لمحمد بن أبي بكر البرتلي الولاتي ت1215هـ ويحوي مائتي ترجمة لعلماء عاشوا بين 1056هـ و 1215هـ. وهو أهم مصدر في تاريخ موريتاني الثقافي.
3. حوليات ولاتة،تيشيت، النعمة، تجكجة. وهي من تأليف عدة مؤلفين من علماء وأعيان، وتشكل أهم مصدر عن تاريخ الأحداث من حروب ووفيات وعوز ورخاء وتواريخالعلماء والقادة والأعيان.
أما الكتابات الأخرى، على أهميتها، فهي نصوص منْقبيّة، هاجسها الأول تقديم التاريخ المعاكس، أي خطاب الولي والكرامة، والإفادة منها رهن باكتشاف تاريخيتها وفق التقاليد العلمية المعاصرة.

 
Source: eddarb.com  

 
   

Votre commentaire
 
Nom
Email
Commentaire
 



جميع الحقوق محفوظة 2023 البوابة الموريتانية للتنمية
Tel : 20 30 40 72 - 46 45 31 43 - Fax 525 30 23 - BP 4938
Email : ecms30@gmail.com
Email : ecms30@pmd.mr
Nombre de tous les visiteurs : #
Nombre de visiteur en ligne : #

Powered By: MajorSystems